عبد الوهاب بن علي السبكي

210

طبقات الشافعية الكبرى

فقال معتذرا عنه ما كنت أجوز في ديني أن أقف عن الدعوة ومنفعة الطالبين بالإفادة وقد حق علي أن أبوح بالحق وأنطق به وأدعو إليه وكان صادقا في ذلك ثم ترك ذلك قبل أن يترك وعاد إلي بيته واتخذ في جواره مدرسة لطلبة العلم وخانقاه للصوفية وكان قد وزع أوقاته على وظائف الحاضرين من ختم القرآن ومجالسة أهل القلوب والقعود للتدريس بحيث لا تخلو لحظة من لحظاته ولحظات من معه عن فائدة إلى أن أصابه عين الزمان وضنت الأيام به على أهل عصره فنقله الله إلى كريم جواره بعد مقاساة أنواع من القصد والمناوأة من الخصوم والسعي به إلى الملوك وكفاية الله به وحفظه وصيانته عن أن تنوشه أيدي النكبات أو ينهتك ستر دينه بشيء من الزلات وكانت خاتمة أمره إقباله على حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم ومجالسة أهله ومطالعة الصحيحين البخاري ومسلم اللذين هما حجة الإسلام ولو عاش لسبق الكل في ذلك الفن بيسير من الأيام يستفرغه في تحصيله ولا شك أنه سمع الأحاديث في الأيام الماضية واشتغل في آخر عمره بسماعها ولم تتفق له الرواية ولا ضرر فيما خلفه من الكتب المصنفة في الأصول والفروع وسائر الأنواع تخلد ذكره وتقرر عند المطالعين المستفيدين منها أنه لم يخلف مثله بعده